الشيخ الطبرسي

304

تفسير مجمع البيان

المعنى : ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال : ( وأن إلى ربك المنتهى ) يعني وإن إلى ثواب ربك وعقابه آخر الأمر . والمنتهى والآخر واحد ، وهو المصير إلى حيث ينقطع العمل عنده ( وأنه هو أضحك وأبكى ) أي فعل سبب الضحك والبكاء من السرور والحزن ، كما يقال . أضحكني فلان وأبكاني ، عن عطاء والجبائي . وقيل : أضحك أهل الجنة في الجنة ، وأبكى أهل النار في النار ، عن مجاهد . والضحك والبكاء من فعل الانسان . قال الله تعالى : ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) . وقال : ( تعجبون وتضحكون ) فنسب الضحك إليهم . وقال الحسن : إن الله سبحانه هو الخالق للضحك والبكاء . والضحك : تفتح أسرار الوجه عن سرور وعجب في القلب ، فإذا هجم على الانسان منه ما لا يمكنه دفعه ، فهو من فعل الله . والبكاء : جريان الدمع على الخد ، عن غم في القلب ، وربما كان عن فرح يمازجه تذكر حزن ، فكأنه عن رقة في القلب . وقيل : معنى الآية أضحك الأشجار بالأنوار ، وأبكى السحاب بالأمطار . وقيل : أضحك المطيع بالرحمة ، وأبكى العاصي بالسخطة . ( وأنه هو أمات وأحيا ) أي خلق الموت فأمات به الأحياء ، لا يقدر على ذلك غيره ، لأنه لو قدر على الموت ، لقدر على الحياة ، فإن القادر على الشئ قادر على ضده ، ولا يقدر أحد على الحياة إلا الله تعالى . وخلق الحياة التي يحيا بها الحيوان ، فأمات الخلق في الدنيا ، وأحياهم في العقبى للجزاء . ( وأنه خلق الزوجين ) أي الصنفين ( الذكر والأنثى ) من كل حيوان ( من نطفة إذا تمنى ) أي إذا خرجت منهما وتنصب في الرحم . والنطفة ماء الرجل والمرأة التي يخلق منها الولد ، عن عطاء والضحاك والجبائي . وقيل : تمنى أي تقدر وهو أصله ، فالمعنى تلقى على تقدير في رحم الأنثى ( وأن عليه النشأة الأخرى ) أي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة ، يعني عليه أن يبعث الناس أحياء للجزاء . فإن قيل : إن لفظة ( على ) كلمة إيجاب ، فكيف يجب على الله سبحانه ذلك ؟ فالجواب : إنه سبحانه إذا كلف الخلق ، فقد ضمن الثواب . فإذا فعل فيهم الآلام ، فقد ضمي العوض . فإذا لم يعوض في . الدنيا ، وخلى بين المظلوم والظالم ، فلا بد من دار أخرى يقع فيها الجزاء والإنصاف والانتصاف . وقد وعد سبحانه بذلك فيجب الوفاء به . ( وأنه هو أغنى وأقنى ) أي أغنى الناس بالأموال ، وإعطاء القنية ، وأصول